الانتقال الى مكتبة الفيديو

 
رؤية لحل دوامة الأزمات في العراق
بقلم : برهم صالح
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

ان الهزيمة العسكرية لتنظيم "داعش” في العراق، وتداعيات الاستفتاء في اقليم كردستان والانتخابات النيابية المقبلة، تمثل لحظات فارقة في التاريخ المعاصر للعراق، فهناك فرصة لتصحيح المسار واطلاق البلاد نحو الازدهار والاستقرار المنشودين، ويقينا ان هناك تحديات اخطر اذا لم يتم تدارك استحقاقات هذه المرحلة.

تفويت هذه الفرصة للتأسيس لعراق يتجاوز ازماته سيكون له آثار اكثر خطورة من تلك التي ترتبت على عدم قدرة النخبة السياسية العراقية على إدارة عملية سياسية سليمة مابعد 2003.

وعلى هذا الاساس فان العراق بحاجة ماسة الى حوار داخلي صريح لمعالجة الخلل البنيوي الكامن في صلب العملية السياسية التي تشكلت في اعقاب 2003، واقحم العراق في دوامة من الازمات المترابطة والمتلازمة مضموناً، والمختلفة شكلاً، ففي المحصلة فان العراقيين بمختلف مكوناتهم ناقمون على الاداء الحكومي والمنظومة السياسية، وباتت حركة التذمر واتهامات الفساد تلاحق الطبقة السياسية من بغداد والبصرة الى الانبار والموصل الى اربيل والسليمانية.

الفساد ينخر في جسد الدولة العراقية، والمال السائب هو الذي مول العنف وحالة الازمة المستدامة. وبات العمل على تجفيف مستنقع الفساد ضرورياً لانهاء هذه الدوامة و منع ظهور الارهاب مجدداً، وشرطا اساسيا لاستعادة ثقة المواطن بمنظومة الحكم.

ويمكن الاشارة بهذا الصدد الى ان المبادرة التي اطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي، لمحاربة الفساد بداية يمكن البناء عليها بمنهجية قانونية و علمية تتصدى للفساد الكامن في منظومة الدولة وادارة المال العام. انهاء دوامة الازمة في العراق يتطلب اعادة تشكيل العملية السياسية الحالية، على اساس مفهوم الدولة المدنية، وتعزيز القيم المدنية وتدعيم دور المرأة وحقوقها، وتأكيد الالتزام بمعايير حقوق الانسان كمنهج دستوري.

ان الغموض في بعض بنود الدستور، وسوء تطبيقه في ضوء التجربة العملية، يجعل مراجعة الدستور واردة لكن من خلال الاليات الدستورية التي ارتضاها العراقيون، فالدستور يجب ان يكون المرجعية في حسم الخلافات.

وفي هذا السياق فان التعامل مع الوضع الكردي لا يمكن ان يكون من موقع المنتصر تجاه المهزوم، فالحالة التاريخية للكرد انهم قد يُهزمون عسكريا في السهول، لكنهم يتجمعون في الجبال وتعاد الكَرة، وفي كثير من الاحيان بدعم خارجي، والعراق يبقى محكوما بهذه الدوامة العبثية المدمرة. للكرد حق طبيعي في تقرير مصيرهم، لكن تقرير المصير يتأتى من خلال الارتكاز الى بغداد العاصمة، لا انقرة و لا طهران ولا واشنطن، ويتحقق بالتفاهم مع الشركاء في العراق، لا التنازع والتناحر او الاعتماد على قوى اقليمية او اجنبية، ويتطلب ايضا كاولوية الاصلاح السياسي الداخلي وانهاء الفساد والمحسوبية وسوء الادارة التي باتت تمثل تهديدا جسيما ينخر في جسد منظومة الحكم في كردستان.

ربما للمرة الاولى في التاريخ المعاصر للدولة العراقية يقدم العديد من الكرد مطالب الاصلاح الداخلي والحكم الرشيد على الشعارات القومية، وذلك متغير شديد الاهمية يجب التعامل معه بروية وعلى أساس القراءة السليمة للمشهد لانتاج حلول تشمل العراق بأكمله، وليس استثمار الحدث لاعادة انتاج تاريخ المظلومية الكردية او التسلط الشوفيني العروبي. مطالب الاصلاح في السليمانية واربيل تتناغم وتتلاقى مع مثيلاتها في البصرة والانبار وبغداد، ونجاح الاصلاح مرهون بحلول شاملة تنهي دوامة الازمات عراقياً. الخلاف بين بغداد والقادة السياسيين الكرد يجب ألا يتحول الى عقوبة بحق الناس، وتجاهل الحقوق الدستورية لكردستان، فالدولة مطالبة بمنع وقع الاذى على المواطنين، ويجب المباشرة بدفع رواتب القطاعات الخدمية و البشمرگة الذين تصدوا ببسالة لداعش و فتح باب المفاوضات بين الحكومة الاتحادية و حكومة الاقليم، ومكاشفة الملفات المالية والنفطية، ومن خلال البرلمان الاتحادي وبرلمان اقليم كردستان. وفي اطار الازمات المترابطة فان التوجه لمعالجة الفساد او حل الازمة مع اقليم كردستان، لا يمكن ان يتكامل بدون التعامل مع السنة العراقيين الذين هم في مقدمة ضحايا مرحلة "داعش” وهم اصحاب المصلحة المباشرة في اجتثاث الفكر التكفيري من جذوره، ويجب ان تتم معاونتهم ودعمهم وتمكينهم لتحقيق هذا الهدف من خلال المشاركة الحقيقية في القرار العراقي وارجاع النازحين الى ديارهم.

ويقف تحدي اعادة اعمار المدن التي تحررت من "داعش” في مقدمة اوجه الدعم المطلوبة، لكن واقع الحال يؤكد ان العراق بحاجة الى نهضة اقتصادية شاملة تقود الحلول المترابطة لازماته، وتؤسس لثقافة التنافس والتكامل الاقتصادي بديلاً عن التنابز والتصادم السياسي. وهذه مناسبة للنظر بتفاؤل الى مؤتمر المانحين الدوليين المقرر عقده في الكويت، على قاعدة فهم عام لابد ان يترسخ مفاده: ان وحدة العراق وامنه وهزيمة التطرف قضايا مرهونة بتعزيز البنية التحتية الرابطة وتنمية التكامل التنموي بين مناطق البلاد المختلفة، وبين العراق وجواره الاقليمي فيصبح مساحة مصالح مشتركة للجيران لا ساحة تصفية حسابات، بالاضافة الى خلق فرص عمل للشباب.

وربما السبيل الى ذلك قد يكون من خلال تأسيس "صندوق الاستثمار” وعرضه الى الاكتتاب المحلي اولا حيث يكون لكل مواطن عراقي حق التشارك فيه، على ان تخصص الدولة نسبة محددة من واردات النفط (على سبيل المثال ٥ بالمئة سنويا) لدعمه. كما يمكن لشركات القطاع الخاص العراقية و الاجنبية الاشتراك في الصندوق وايضاً المؤسسات المالية الدولية و الدول المانحة و الصناديق السيادية، على ان يمول الصندوق مشاريع البنية التحتية الستراتيجية ذات الجدوى الاقتصادية، كميناء البصرة، وشبكة الطرق السريعة، وسكك الحديد، والمطارات، والمشاريع الاروائية في سهل نينوى وگرميان واربيل، واستصلاح الاراضي في الجنوب، والمدن الصناعية، والسدود. وبالاضافة الى دوره الداخلي يمكن للصندوق ان يشارك في تمويل مشاريع البنى التحتية التي تربط بين دول المنطقة. فالعراق محور ستراتيجي مهم يتلاقى فيه العالم العربي وإيران وتركيا، ويربط بين اقتصاديات الخليج واوروبا، ويمكن ان يكون قلب طريق الحرير الجديد الى البحر المتوسط، كما ان العراق بؤرة انتاج الطاقة، غازا ونفطا، وبامكانه ان يكون ممراً سالكاً وآمنا لمنظومة تصدير الطاقة.

ويمكن النظر الى تجارب مماثلة في تايلند وفيتنام والهند والتي جذبت تمويلا استثماريا من الصناديق السيادية في اليابان والصين و الخليج. وكاستدراك ، يجب ان يشكل "صندوق الاستثمار” بقانون خاص وان يكون مستقلاً عن الحكومة ومداراً من قبل هيئة خاصة مهنية وبمنأى عن السجالات السياسية، ويكون اعضاء هيئته الادارية مرشحين مهنيين من الحكومة ومصادقا عليهم من البرلمان وان يخدموا لفترة ٦ سنوات كي لا يكونوا محكومين بالاعتبارات الانتخابية، ومن المستحسن ان تشارك في ادارة الصندوق المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الاسلامي لجذب الاستثمارات الخارجية كما من الضروري ان يكون للصندوق نظام محاسبي ومالي خاضع للرقابة المالية وفق السياقات الدولية، لضمان منع التدخل السياسي و الفساد.

التعامل مع الازمات العراقية بشكل مجتزأ وبعيد عن المعالجة البنيوية، اثبت فشله طوال السنوات الماضية، واليوم امام العراق فرصة عبر حلول شاملة تضع الامور في نصابها الصحيح، وعسى ان تكون الانتخابات المقبلة في العراق واقليم كردستان مناسبة يتبارى فيها الفرقاء بمدى الجدية في الالتزام بحل شامل لدوامة الأزمة العراقية، لا ان تكون محطة للتشرذم و الصراع تديم الدوامة.

* رئيس "التحالف من اجل الديمقراطية و العدالة” - نائب رئيس الوزراء العراقي السابق و رئيس وزراء اقليم كردستان السابق.

"الصباح"

  كتب بتأريخ :  الأحد 07-01-2018     عدد القراء :  144       عدد التعليقات : 0