الانتقال الى مكتبة الفيديو

 
مستلزمات الخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي بالعراق 1-4

المدخل: الصراعات الفكرية والسياسية حول وجهة التنمية

خلال العقد السادس من القرن العشرين نُشر الكثير من الأبحاث والدراسات والكتب حول موضوعات التنمية والنماذج الاقتصادية المناسبة للبلدان النامية عموماً، والعراق خصوصاً، شاركت فيه نخبة متقدمة من الكتاب والباحثين الاقتصاديين. وتبلور هذا النقاش أكثر فأكثر في أعقاب ثورة الرابع عشر من تموز 1958، حيث تولى اقتصاديون عراقيون بارزون مهمة خوض هذا الحوار والكتابة والنشر من جهة، وتطبيق ذلك في الممارسة العملية، ولاسيما في السنة الأولى والثانية من ثورة تموز. وقد استمر هذا النقاش ليشمل العقدين السابع والثامن من القرن ذاته. ويمكن أن نلاحظ ذلك في كتابات العالم الاقتصادي المميز والفقيد الدكتور محمد سلمان حسن، وفي الجانب النظري والتطبيقي أستاذ التاريخ والنظرية الاقتصادية العلامة والاقتصادي الكبير الفقيد الأستاذ إبراهيم كبة، الذي أصبح وزيراً للاقتصاد لفترة قصيرة في حكومة الثورة الأولى.

وبحدود منتصف الستينيات من القرن العشرين انتشرت بين القوى اليسارية، الاشتراكية والشيوعية والتقدمية، الموضوعة التي أطلقها المؤتمر الحادي والعشرون للحزب الشيوعي السوفييتي القائلة بوجود طريق خاص يمكن أن تسلكه الدول النامية لتجاوز الرأسمالية، وأطلقت عليه طريق التطور اللارأسمالي، والذي كان قد ورد في بعض كتابات لينين أيضاً من جهة، كما تبلورت نظرية السوق الاشتراكية في إطار الاقتصاد والتخطيط الاشتراكي للعلامة الاقتصادي البولوني أوسكار لانگة، الذي اختلف في رؤيته النظرية للاقتصاد الاشتراكي عن غالبية الاقتصاديين السوفييت المسؤولين عن رسم السياسة الاقتصادية للاتحاد السوفييتي وتأثيراتها على بقية دول مجلس التعاضد الاقتصادي، التي كانت تتنكر لدور السوق وقوانينه من جهة أخرى. وقد لعب الدكتور محمد سلمان حسن بترجمته كتاب أوسكار لانگة، الجزء الأول واستكماله الجزء الثاني، دوره في نشر أفكار أوسكار لانگة لا بالعراق فحسب، بل وبالدول العربية أيضاً. ومن جانب آخر سادت بالعراق قبل وبعد ثورة تموز 1958 نظريات اقتصاد السوق الحر، أو النظرية الرأسمالية اللبرالية بمختلف مدارسها، لدى مجموعة غير قليلة من الاقتصاديين اللبراليين العراقيين، ولاسيما ذات الاتجاه والنزعة القومية العروبية والجماعات المحافظة، ولدى الفئات البرجوازية المتوسطة والصغيرة. وبرز في هذا المجال العديد من الاقتصاديين العراقيين منهم الدكتور محمد عزيز، والدكتور عبد الرحمن الحبيب، والدكتور عبد المنعم السيد علي، والدكتور خير الدين حسيب، والدكتور محمد جواد العبوسي، وكذلك العديد من العاملين في وزارتي التخطيط والاقتصاد حينذاك وفي كلية الاقتصادي وجامعة بغداد. وكان الدكتور خير الدين حسيب هو المبادر لطرح فكرة "الاشتراكية العربية" بالعراق حينذاك، وكان عضوا قيادياً في حزب الاتحاد الاشتراكي الذي تأسس في العام 1964 وترأسه رئيس الجمهورية عبد السلام محمد عارف، وتبنتها القوى القومية العربية وقوى البعث أيضاً، كما كان المبادر لطرح فكرة إجراءات التأميم لعام 1964 وتنفيذها فعلاً. علماً بأن مجموع رؤوس أموال المشاريع الصناعية والتجارية والبنوك والتأمين لم يزد عن 28 مليون دينار عراقي، أو ما يعادل 92 مليون دولار أمريكي. وكانت الأهداف الفعلية من التأميم هي الوصول إلى ما يلي:

1.   محاولة تبويش السياسة التي كانت تطرحها القوى التقديمة والديمقراطية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية أخرى، في موضوع دور الدولة وقطاعها الاقتصادي والتخطيط الاقتصادي. علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي كان يدعو أيضاً إلى تعزيز دور القطاع الخاص والقطاع المختلط في الصناعة لحاجة البلاد إلى المزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية؛

2.   تنشيط القوى الداعية إلى حل الحزب الشيوعي العراقي والالتحاق بالاتحاد الاشتراكي على الطريقة التي جرت فيها العملية القيصرية بمصر، حيث أجبر الحزب الشيوعي المصري على حل نفسه وبدعم من السوفييت.1) وقد طرح عدد من قادة الحزب الشيوعي العراقي هذه الفكرة حينذاك، ولكنها رفضت من قادة حزبيين آخرين ومن الكوادر والقواعد الحزبية والجماهير المساندة للحزب الشيوعي العراقي. وكان المسؤولون السوفييت أبرز المساندين لفكرة حل الحزب الشيوعي والاندماج بالاتحاد الاشتراكي العربي بالعراق معتمدين في ذلك على موضوعة طريق التطور اللارأسمالي وقدرة البرجوازية الصغيرة على سلوك هذا السبيل. وقد فشل هذا التوجه بسبب إصرار مزيد من الكوادر الحزبية وبعض قادة الحزب لهذا الاتجاه؛

3.   محاولة غير ناجحة للتقرب والتماثل مع تجربة التأميم في جمهورية مصر العربية، حين عمد جمال عبد الناصر إلى تنفيذ إجراءات تأميم واسعة بين 1961-1964، التي ابتدأت بعد فشل الوحدة بين مصر وسوريا، وكأنها محاولة عقوبة وانتقام من البرجوازية المصرية.2) وكان من ضمن أهداف سياسة عبد الناصر الوصول إلى الادعاء بتبني الاشتراكي وإمكانية مسيرة مصر صوب طريق التطور الاشتراكي وبالتالي ليست هناك حاجة لحزب شيوعي مصري. وحين زار والتر أولبرشت، رئيس جمهورية المانيا الديمقراطية حينذاك، مصر في نهاية شباط/فبراير عام 1965 ادعى في خطاب له بأن مصر تسير في طريق الاشتراكية!

4.   محاولة كسر مقاومة القطاع الخاص لسياسات عبد السلام محمد عارف الاقتصادية ونهجه الدكتاتوري، والتي برزت في المذكرات الاحتجاجية التي قدمها الشيخ محمد رضا الشبيبي حينذاك إلى رئيس الجمهورية.3)

5.   ذر الرماد في العيون، وكأن العراق كان يسير حينذاك على طريق تطور جديد صوب الاشتراكية العربية!

وقد ألحقت إجراءات التأميم العراقية أضراراً كبيرة بالاقتصاد العراقي، كما إنها لم تنفع قطاع الدولة، بل قادت الإدارة الحكومية الفاسدة للمشاريع المؤممة إلى خسائر تحملتها خزينة الدولة.

وتصدى الدكتور محمد سلمان حسن حينذاك لسياسات القوميين العراقيين العرب الاقتصادية وهجومهم على سياسات عبد الكريم قاسم الاقتصادية مدافعا بوعي ومسؤولية عن نهج حكومة عبد الكريم قاسم الاقتصادي، الذي وضعه اقتصاديون مرموقون حينذاك وكاشفاً عن الخلل الكبير في سياسات القوميين الاقتصادية اللبرالية التي لا تعبر عن حاجات الاقتصاد والمجتمع العراقي.4) لم يكن هذا الاختلاف نظرياً بحتاً فحسب، بل كان سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، إذ كان الصراع الفكري يجسد مصالح طبقية في نهج ووجهة ومضمون النموذج الاقتصادي المنشود للعراق حينذاك.

لم يكن هذا الصراع الفكري حديث العهد، بل برز في الثلاثينيات من القرن العشرين، بين سياسة الحكم الاقتصادية المحافظة التي كانت ترسم عملياً من جانب المستشارين البريطانيين في فترة ما قبل وما بعد الانتداب في العام 1932 مباشرة لتعزيز مواقع البرجوازية الكومبرادورية والشركات التجارية العراقية التابعة لها والعاملة مع الشركات التجارية الأجنبية، وكذلك الحفاظ على مصالح كبار ملاكي ومستغلي الأرض الزراعية التابعة للدولة، وبين القوى الوطنية والديمقراطية العراقية التي كانت تطالب برسم سياسة اقتصادية جديدة للعراق. فمنذ نهاية العشرينات من القرن العشرين (1929) طرحت جمعية أصحاب الصنائع العراقية، برئاسة محمد صالح القزاز، ثم نشرت الأحزاب والقوى الديمقراطية العراقية، تصوراتها حول النهج الذي يفترض أن تمارسه الدولة العراقية لتحقيق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي وبناء المجتمع المدني، والتي تمكنت من إصدار قانون حماية الصناعة الوطنية. ويمكن لمتتبعي تاريخ العراق الحديث ملاحظة ذلك في برنامج جماعة الأهالي في العام 1933، ومن ثم في برنامج الإصلاح الشعبي لجماعة الأهالي نفسها، وفي المقالات والكراسات التي أصدرها الحزب الشيوعي العراقي، ومن ثم في برنامجه الذي أقره المؤتمر الوطني الأول في العام 1944/1945، حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي طرحها الحزب الشيوعي العراقي، وتركيزه الدائم على ثلاث مسائل جوهرية هي: أ) الحريات والحقوق الديمقراطية والالتزام بالحياة الدستورية النزيهة، وب) التوجه صوب البناء الاقتصادي، ولاسيما تنشيط القطاعين اصناعي والزراعي والخدمات الإنتاجية، والاجتماعي والثقافي السليم ومكافحة الأمية والبطالة والفقر، وج) وعبرهما يمكن تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وإلغاء المعاهدات المخلة بهما. وكان الحزب الشيوعي يرى بأن بأهمية التفاعل بين الحرية والديمقراطية من جهة، وتحقيق التنمية وتأمين حصول توازن في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العراقي ومن جهة أخرى، إذ بدونهما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تحقيق التقدم وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.5) وإذ لم يتحقق سوى القليل جداً في مجال الصناعة مثلاً قبل الحرب العالمية الثانية، تحسن قليلاً أثناء الحرب لأسباب عديدة، منها حاجة القوات البريطانية المعسكرة بالعراق للسلع الاستهلاكية وتعذر الاستيراد... ومع زيادة حصة العراق في إيراداته النفطية والاتفاق على المناصفة مع شركان النفط الاحتكارية وتشكيل مجلس الإعمار، ومن ثم وزارة الاعمار في العام 1951/1952، وضغط القوى السياسية الديمقراطية، تحقق بعض النتائج الإيجابية المهمة لواقع العراق الصناعي حينذاك، سواء أكان باستقدام خبراء ومؤسسات لتقديم بحوث علمية أو انجاز ونشر دراسات اقتصادية حول سبل تنمية الاقتصاد العراقي، ومنها دراسة "أرثر دي لتل" حول الصناعات البتروكيماوية في العام 1956، والتي لم يؤخذ بها وأهملت تماماً، أو التقارير التي قدمت حول السياسة المالية حينذاك أيضاً. ومع ذلك أمكن إلى حد ما كسر الحاجز السميك المعرقل للتوسع في إقامة صناعة وطنية حديثة بالعراق تابعة لقطاع الدولة وأخرى مختلطة شارك فيها البنك الصناعي والقطاع الخاص، ومشاريع تابعة للقطاع الخاص. لقد اصطفت المجموعة الصغيرة من الإقطاعيين وكبار ملاكي ومستغلي الأراضي الزراعية والفئة التجارية الكبيرة المرتبطة بالشركات الأجنبية وفئة العقاريين بوعي في معارضة التصنيع والتقدم الزراعي وتحقيق الإصلاح الزراعي وتغيير بنيتي الاقتصاد والمجتمع. وقد حظيت هذه القوى بتأييد ودعم واسعين من جانب الحكومات الملكية وشركات النفط الاحتكارية والشركات التجارية الأجنبية المصدرة للسلع المصنعة والمنتجات الزراعية والدول الرأسمالية المتقدمة، ولاسيما بريطانيا. ولم تستطع الحكومات الملكية المتعاقبة، التي كانت تعبر عن مصالح كبار التجار والعقاريين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية، الاستمرار في معارضة التصنيع المحدود نسبياً. ولكنها وقفت ضد أي تغيير في القوانين التي وضعها داوسن في أعوام 1932/1933 في توزيع وتمليك الأراضي الزراعية وما سمي بـ "تسوية حقوق الأراضي الزراعية" لصالح كبار الملاكين. وهي السياسة التي تعرقل بشكل مباشر وغير مباشر تحقيق المزيد من التصنيع بالبلاد. وفي العام 1956 القى رئيس الوزراء العراقي حينذاك نوري السعيد خطاباً مدوياً أعلن فيه أن حل مسألة الأرض تتم فقط حين يموت شيخ ما توزع الأراضي المملوكة له على أبنائه الكثر، وهكذا تحل مشكلة الملكيات الكبيرة للأرض الزراعية وينتهي الإقطاع، ثم هتف "دار السيد مـأمونة"6)، ولم تكن مأمونة! إذ بعد عامين من تلك الصيحة لا غير سقطت الملكية بالعراق.7) لعبت الطبقة العاملة ونقاباتها والأحزاب الوطنية، ومنها الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاستقلال وأحزاب ديمقراطية ويسارية أخرى، وجمهرة كبيرة من المثقفين والكتاب الاقتصاديين والسياسيين المستقلين، دورهم الإيجابي في هذا الصدد. وقد نشأت مجموعة من المشاريع الصناعية المهمة والحديثة بالعراق كالمشاريع الإنشائية، ولاسيما السمنت والطابوق، والزيوت النباتية والغزل والنسيج ومشاريع السكر بالموصل والعمارة ومشاريع المشروبات الغازية والكحولية والسجائر وصناعات منزلية...الخ. وقد أنجزت الكثير من البحوث والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه، خارج العراق، سواء تم ذلك بالدول الغربية، أم بالدول الاشتراكية في أعقاب ثورة تموز، مسحاً مهماً وقيماً عن هذه المرحلة من تاريخ العراق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتي نشر بعضها باللغة العربية.8)

الاتجاهات التنموية لقوى ثورة تموز 1958

مع انتصار ثورة تموز 1958 وصل إلى السلطة ممثلون يعبرون في نهجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن مصالح فئات البرجوازية الصغيرة والبرجوازية المتوسطة، والتي تجلت في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقوانين والإجراءات التي اتخذتها والتي تميزت بها تماماً عن تلك التي مارستها حكومات العهد الملكي، رغم إنها قد تعثرت فيما بعد في الممارسة الفعلية. فالقوى الديمقراطية والتقدمية العراقية طرحت رؤية وسياسة ديمقراطية تقدمية استهدفت تسريع عملية التصنيع بالبلاد وتنمية الاقتصاد الوطني بزيادة التوظيفات الحكومية الموجهة للتنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية وتغيير بنية التربية والتعليم، إضافة ضرورة تنشيط القطاعين الخاص والمختلط. فخلال فترة قصيرة أصدرت حكومة الثورة مجموعة من القوانين والإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية المهمة، منها على سبيل المثال لا الحصر، اعتبار العرب والكرد شركاء في الوطن الواحد، العراق، الذي ثُبت في الدستور المؤقت للجمهورية العراقية لأول مرة، الخروج من حلف بغداد، الانسحاب من منطقة الاسترليني، قانون الإصلاح الزراعي، قانون العمل والعمال، وقانون الأحوال الشخصية، وإجازة النقابات ومنظمات مدنية اجتماعية أخرى، كما تم وضع خطة خمسية مؤقتة استبدلت لاحقاً بخطة تفصيلية.. إلخ. كل ذلك وغيره جسد الحاجة المباشرة للتنمية الاقتصادية والتركيز على إقامة المشاريع الصناعية وتحرير الأرض والفلاح من هيمنة الإقطاعي وكبار الملاكين بأمل وهدف تغيير بنية القطاع الزراعي وإنقاذ الفلاحين من جور الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية. وكان الهدف من وراء ذلك ضمان ما يلي:

1.   الاستفادة القصوى والممكنة من موارد البلاد المالية لإقامة مشاريع صناعية تساعد على تنويع الدخل القومي وتقليص طابع الاقتصاد الريعي النفطي الاستهلاكي غير الإنتاجي، من خلال توجيه جزء مهم من إيرادات النفط المالية صوب الاستثمار الإنتاجي. "وكانت الخطة الخمسية التفصيلية 1962-1966، التي دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من بداية 1962، تحسينا للخطط المؤقتة السابقة في تعقيدها وتنوعها. وحددت الخطة هدفا لمعدل النمو، وحسبت نسبة رأس المال إلى الإنتاج، فاستنتجت أن حجم الاستثمار يجب أن يكون بنسبة 35 بالمائة من الدخل الوطني"9)، كما أشار إلى ذلك الدكتور عباس النصراوي.

2.   الاهتمام الاستثنائي بالتنمية الصناعية والتي بدأت بها الثورة حين وقع وزير الاقتصاد العراقي، الأستاذ إبراهيم كبة، اتفاقية اقتصادية مع الاتحاد السوفييتي لإقامة 28 مشروعاً صناعيا في مدن عراقية عديدة.

3.   العمل على إجراء تغيير في بنية الاستيراد لصالح التنمية الإنتاجية، مع الاهتمام بإشباع حاجة الاستهلاك المحلي من السلع الاستهلاكية التي لا بد من استيرادها.

4.   مكافحة البطالة وتوفير مزيد من فرص العمل في القطاعات الإنتاجية والخدمات المرتبطة بها ومكافحة الفقر وتوزيع وإعادة توزيع أفضل للدخل القومي.

5.   البدء بتوسيع المعاهد الفنية والمهنية لكسب المزيد من خريجي الدراسة الابتدائية والمتوسطة أو الثانوية صوب المعاهد الفنية والمهنية والفروع العلمية والتطبيقية. كما تم إرسال مئات خريجي الثانويات والكليات للدراسة كبعثات وزمالات إلى المعاهد والكليات والجامعات الأجنبية، ولاسيما إلى الدول الاشتراكية.  

6.   ضمان تغيير علاقات الإنتاج المتخلفة والاستغلالية في الريف لتطوير القوى المنتجة وتغيير بنية الزراعة المحلية وربطها بعملة التنمية الصناعية.

7.   وكان قانون الأحوال الشخصية بداية أولية مهمة لضمان تحقيق تغيير إيجابي في مكانة ودور المرأة في المجتمع الذكوري العراقي، والذي رُفض بإصرار تآمري رجعي من جانب المؤسسات والمرجعيات الدينية السنية منها والشيعية على حد سواء.

لقد عرف العراق اقتصاداً نفطياً بتقنيات حديثة وعلاقات رأسمالية متقدمة من جهة، وعلاقات إنتاجية متخلفة في بقية فروع الاقتصاد الوطني العراقي. وكان لهذه الازدواجية في العلاقات الإنتاجية جوانبها السلبية. إلا إن تقليص الجوانب السلبية كان يتطلب توجيه نسبة مهمة من موارد النفط المالية صوب التنمية الإنتاجية، صوب الصناعة والزراعة وتحديثهما بتقنيات متقدمة وتطويعها بما يتناسب ومهمة تطوير مستمر للجانب الثاني من القوى المنتجة، الجانب البشري، لتأمين إحداث تغيير مدروس وعقلاني في بنية الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية وفي بنية الدخل القومي وفي عملية توزيعه الأولى والثانية، أي في إعادة توزيعه على صورة خدمات للمجتمع، أي الاستهلاك الاجتماعي.    

وكان من المؤمل أن تساهم هذه السياسات والإجراءات البدء بتحقيق تغيير فعلي مهم في البنية الطبقية المتخلفة للمجتمع، تلك البنية التي ارتبطت بوجود علاقات إنتاجية ما قبل الرأسمالية بالريف، علاقات شبه إقطاعية، معرقلة للنمو الصناعي وتطوير الزراعة وتحديث القوى المنتجة فيها وتحرير أعداد كبيرة من الفلاحين وتغيير في وعي الفرد والمجتمع. أي إنها كانت ستساهم في زيادة عدد أفراد الطبقة العاملة الحديثة، ولاسيما في القطاع الإنتاجي أولاً، وزيادة عدد الصناعيين من البرجوازية المتوسطة ثانياً، وتوسيع قاعدة البرجوازية الصغيرة التي يرتبط نشاطها بالقطاع الصناعي العراقي وبالزراعة ثالثاً. كما كان من المؤمل أن يلعب دوراً في تحسين مستوى حياة ومعيشة الناس وزيادة السيولة النقدية في الأسواق العراقية. ولا شك في أن كل هذه المسائل قد ارتبطت بصورة واعية بالجهود الكثيفة التي بُذلت لمحاربة الأمية بالبلاد والتي كانت واسعة جداً، ولاسيما بالريف وبين النساء. وقد اقترنت هذه السياسة الاقتصادية بسياسة مالية ونقدية مناسبة، والتي هي الأخرى لم تستمر طويلاً. وكانت كل هذه السياسات والإجراءات في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية وسعي الدولة إلى تحقيق التراكم الرأسمالي المنشود في الصناعة الوطنية وفي تحديث وتنمية القطاع الزراعي. وحتى هذه الوجهة البرجوازية لم تتحملها القوى الإمبريالية والقوى المناهضة لأهداف ثورة تموز الوطنية. فتأمرت ضدها بكل ما تملك من إمكانيات.  

الهوامش والمصادر

1) ملاحظة: حين كنت أعد لرسالة الدكتوراه ببرلين سافرت إلى القاهرة ونظمت لقاءات عدة مع سياسيين واقتصاديين مصريين ومع كبار المحررين في مجلة الطليعة المصرية. ومن بين تلك اللقاءات كان اللقاء المهم مع الدكتور فؤاد مرسي في العام 1965، بعد أن كان قد أطلق سراحه من السجن وعين رئيساً للمؤسسة العامة للسيارات بمصر، وكان قبل ذلك سكرتيراً للحزب الشيوعي المصري وسجيناً، فوافق على حل الحزب الشيوعي المصري والتحاق أعضاء الحزب بالاتحاد الاشتراكي العربي. أشار لي بوضوح وصراحة إلى الضغوط السياسية والنفسية التي تعرض لها الحزب وقادته من أجل حل الحزب، رغم وجود معارضة جدية لهذا القرار، ولكن لعب السوفييت دورهم البارز في ذلك. ك. حبيب.  

2) ملاحظة: في نهاية عام 1967 أنجزت كتاب رسالة الدكتوراه ودافعت عنها في شباط/فبراير من عام 1968 وكانت بعنوان "طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية مصر العربية" أمام لجنة من ثلاثة أساتذة في كلية الاقتصاد ببرلين. وقد حضر الدفاع جمع كبير من المصريين من العاملين في سفارة مصر، إضافة إلى بعض المصريين الدارسين والمؤيدين لتجربة مصر ومجموعة من العرب من دول أخرى، إضافة إلى مجموعة من الألمان والعراقيين المهتمين بتجربة مصر حينذاك، إذ كانت جلسة الدفاع مفتوحة. وقد تبنيت في الرسالة رأياً مفاده إن مصر لا تسير في طريق التطور اللارأسمالي أو طريق التطور صوب الاشتراكية، بل هي إجراءات اقتصادية ذات وجهة سياسية ورأسمالية دولة نامية، كما إنها لم تكن في إطار منهج اقتصادي اجتماعي اشتراكي أو تقدمي يسهم في تغيير واقع الاقتصاد المصري. وقد شنت جمهرة من المصريين من أتباع السفارة وبعض المصريين هجوماً ضد مضمون رسالة الدكتوراه والتقرير الذي قدمته بهذا الخصوص. وقد تبنى هؤلاء رأياً مفاده إن مصر تسير على طريق التطور اللارأسمالي وصوب الاشتراكية رغم السياسات غير الديمقراطية للحكومة المصرية والتي اثمرت عن أكبر انكسار سياسي في تاريخ مصر في حرب حزيران عام 1967. وكانت ألمانيا الديمقراطية تقف سياسياً إلى جانب مصر وترى في مسيرتها نهجاً لا رأسمالياً. وكان الموقف حرجاً للجنة الدفاع من الناحية السياسية، ولكنها لم تستطع إيقاف الدفاع أو رفض الرسالة نظراً لقوة الحجج التي أوردتها في الرسالة أولاً، والتقرير الذي تقدمت به دفاعاً عن رأيي ومضمون الرسالة، إضافة إلى إجاباتي التفصيلية عن الأسئلة التي طرحت أثناء جلسة الدفاع والتي انتهت لصالح الأطروحة ومنح شهادة الدكتوراه فلسفة PhD. ك. حبيب.  

3) ملاحظة: نشرت عدة دراسات عن طبيعة التأميم لعام 1964 بالعراق واعتبرتها إجراءات أساءت للاقتصاد العراقي وحجمت بشكل غير مقبول ومؤذي للنشاط الاقتصادي للبرجوازية المتوسطة العراقية وإشاعة الخوف بين صفوفها وتوقفت عملياً استثماراتها بالاقتصاد العراقي. وقد نشرت هذه الدراسات في مجلتي الطريق اللبنانية ودراسات عربية بلبنان في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. ك. حبيب.

4) راجع: د. مظهر محمد صالح، محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية..!، شبكة الاقتصاديين العراقيين، بتاريخ 02/10/2014.

5) راجع: يوسف سلمان يوسف (فهد)، كتابات الرفيق فهد، البطالة، أسبابها وعلاجها، كراس. طبعة أولى 1946، من وثائق الحزب الشيوعي العراقي، عنى بجمعه ونشره فخري كريم، دار الطريق الجديد-بغداد، دار الفارابي-بيروت، 1976. ) ملاحظة: كنت في هذه الفترة، وبعد الخروج من سجن بعقوبة، منذ متصف العام 1956 مبعداً في مدينة بدرة وكنت مع الرفيق 7 علي محمود، من كردستان، مسؤولين عن التقاط الأخبار من الراديو وإنجاز نشرة أخبار يومية للرفاق المبعدين، والتقطنا خطاب نوري السعيد بالكامل مع تعليقاتنا عليه للمناقشة.  

7) ملاحظة: من يتابع تطور الوضع بإيران سيجد أن هناك صيحات مماثلة تؤكد بأن "دار السيد مأمونة" وهنا المقصود علي خامنئي، وعلينا أن ننتظر أن يحل بإيران ما حل بالعراق بعد صيحة نوري السعيد الخائبة، ولو بعد حين! ك. حبيب

8) أشير هنا بشكل خاص إلى رسالة الدكتوراه للفقيد الدكتور صباح مصطفى الدرة، الذي أغتاله حزب وحكم البعث في سجنه بالعراق في العام 1980/1981، مع الدكتور صفاء الحافظ وعائدة ياسين، التي دافع عنها في العام 1965 بكلية الاقتصاد ببرلين، ونشرها بالعربية تحت عنوان تطور القطاع الصناعي في العراق في فترة لاحقة، وركز فيه على القطاع الخاص، كما أصدر لاحقاً كتاباً عن "القطاع العام" في العراق، الصادر عن دار الرواد للطباعة، بغداد، 1977.  

9) راجع: د. عباس النصراوي، التنمية والنفط 1958-1968، الفصل الثالث من كتابه الموسوم "أعباء العراق ـ النفط العقوبات والتخلف"، دار غرينوود للنشر في ولاية كنكتكت الأمريكية.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 08-01-2018     عدد القراء :  81       عدد التعليقات : 0