الانتقال الى مكتبة الفيديو

 
موسم الفتاوى الإنتخابية

لما قلنا ودعونا إلى إبعاد الدين عن الحكم، وفصل الدين عن السياسة، كنا نقصد حماية الدين من نفوذ السياسة وسطوتها وسيطرتها، وصيانته وحفظه من عبث السياسة وفسادها، فالدين باسم الله والحكم باسم الشعب، والسياسة فن الممكن، متغيرة ومتقلبة ومتوائمة أحياناً، وكاذبة ومتلونة أحياناً أخرى، والدين ثابت لا يتغير، دائم وباقٍ على وجه واحد لا يتقلب، صادق مع الصادق وكذلك صادق مع الكاذب، مستقر لونه لا يتغير ولا يتبدل ولا يتلون، راسخ لا يلف ولا يدور. أما وقد أدخلناه لعبة السياسة من أوسع أبوابها، فلا أمان عليه ولا صدق فى رجاله، ولا ثقة فيما يقولونه أو يطلبونه أو ينصحون به أو يدعون إليه. فلا لوم على من ينتقد السياسة أن ينتقد الدين أيضاً إذا أيّدها وساندها ودعمها، وكذلك لا عتاب على من يقلل من قدر الخصم أن يقلل من قدر رجال الدين أيضاً إذا عاونوه وأيّدوه، وأفتوا بنصرته وانتخابه، ولا حرج على من يبحث عن مثلبة من المثالب أو ناقصة من النواقص فى خصمه، أن يبحث عن مثلبة أو ناقصة فى رجال الدين، أو فى فتواهم إذا ناصروه وأيّدوه باسم الدين، كأن يهدم الفتوى المؤيدة بفتوى معارضة، أو يقيس الأمر باجتهاد آخر مخالف ممن سبقوه من الفقهاء، فيقوّضه ويهدمه ويقضى عليه، فلا لوم على كل هؤلاء، فجميعهم حراس وحراص على مصالحهم ونفوذهم، إلا أن الجميع ليسوا حراساً أو حراصاً على الدين من هذا الاستقطاب والاستحواذ والاستغلال، وكان أولى بالجميع أن ينأوا بأنفسهم وبالدين عن حلبة صراع بلا مكسب ولا انتصار، والتى تنقص ولا تزيد، وتخسر ولا تكسب، ولا ترفع أصحابها بل تنزل بهم.

فإذا كنا فى زمن الإخوان، حين خرج علينا من مشايخ السلفية من يُفتى بأن من يعطى صوته لحزب النور فهو صدقة جارية يثاب عليها طوال الدورة الانتخابية، ومن يعطى صوته لغير حزب النور فهو سيئة جارية يجازى عليها طوال الدورة الانتخابية، وسخر الناس منهم واستهزأوا بهذه الفتوى وتهكموا عليهم، وهزأوا منهم، وكان معنا كل الحق فى هذا، فإذا خرج علينا من صفوفنا الآن من قال وأفتى بأن من يمتنع عن أداء صوته الانتخابى «آثم شرعاً» لأنه قد امتنع عن أداء الشهادة وتقاعس عنها، وكفّ عن قول الحق وانصرف عنه، وهذا محرّم شرعاً فى الإسلام لقوله تعالى «وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» فإذا خرج علينا من يستهزئ بنا كما استهزأنا به، ويسخر منا كما سخرنا منه، ويتهكم علينا كما تهكمنا عليه، ويهزأ بنا كما هزأنا منه، فلم العجب إذاً من هذا؟ وما الغرابة فى هذا الشأن؟ فما كان حقاً لنا فى أوانهم يصبح حقاً لهم فى أواننا، وماكان لنا فيه غلبة عليهم فلهم الآن الغلبة علينا. وما يخرج علينا من المؤيدين الآن شيخ يقرر أن منافسة الحاكم عبر الانتخابات حرام، وأن ولى الأمر لا ينازعه أحد فى مقامه، ولا فى منصبه، ولا ينافسه أحد على منصب بوأه الله عليه، فلمَ كان العجب إذاً حين أفتى القرضاوى فى انتخابات الرئاسة بين مرسى وشفيق بضرورة انتخاب محمد مرسى لأن هذا سيُرضى الله ورسوله، ومن لا يختاره فهو آثم قلبه، وأن على كل مصرى يخشى الله ورسوله وحريص على إرضاء ربه أن يختاره. ولما خرج علينا أحد شيوخهم يصف المعركة الانتخاببة فى إقرار دستور الإخوان بـ«غزوة الصناديق» فليس فى تاريخه شرف أرقى من هذا، وليس له عز يعلوه، فقد تعجبنا من هذا التشبيه، وتحيّرنا فى شأنهم، وخاف الناس من استدعاء هذا التاريخ طالما كان الأقرب إلى التشبيه والتمثيل والقياس، وكان الأدنى فى الوصف، فلماذا نسخن الناس ونشحنهم ونجيّشهم فى معركة تشبه الغزو فى كثير، وليس الأمر علينا بمعجز، وليس لهم من سبيل أو معين؟

فما فلح رجال الدين يوم أن استجابوا للحكام والخلفاء والأمراء منذ قرون، وأفسدوا السياسة والدين، وما فلح رجال الدين فى حاضرنا، فقد أفسدوا وما زلوا يفسدون الدنيا بالسياسة والآخرة بالدين، وما زال الناس يتساءلون منذ العهد الأموى عن هذه الفتاوى السياسية التى ضللت الأمة، و بدأت بلقب لمعاوية بن أبى سفيان لم تعرفه العرب من قبل، وهو لقب «خال المسلمين» وليس غيره، وكأن عبدالله بن عمر، أو محمد بن أبى بكر ليسا بأخوال المسلمين. وآخر قد رفعه لمقام صاحب الرساله ومبلغها بحديث عنه أن الوحى فى حمى ثلاثة محمد ومعاوية وجبريل، مروراً باستخلاف الله للخلفاء على أموال الأمة ينفقونها كما شاءت إرادتهم، فمن أسبغها على أهله وعشيرته، ومن تركها منهوبة يشترى بها الإماء والعبيد، ولا حسيب ولا رقيب، ولا مساءلة فى الدنيا، إلا من الله يوم القيامه، ومنهم من وصف الخلفاء بظل الله على الأرض، ويده التى ينعم بها، ويده التى يبطش بها، إلى هذا القميص الذى يُلبسه الله لمن يشاء له الخلافة من عباده براً كان أو فاجراً، ظالماً كان أو عادلاً، له الطاعة حتى لو «أخذ مالك وضرب ظهرك»، ولا ينازعه فى قميص الخلافة منازع، ولا يخلعه إلا من ألبسه إياه، فضلّت الأمة وضاعت وفشلت وفسدت يوم أن تقابل الدين والسياسة، وأطاعا بعضهما بعضاً.

ارفعوا أيديكم عن الدين، وأبعدوه عن الحكم والسياسة، يصلح حالنا وحاله وحال الجميع، فملايين القتلى فى تاريخنا كانوا من أياديكم وألسنتكم، اتركوا السياسة للسياسيين، وعودوا إلى مساجدكم واعبدوا ربكم.

adelnoman52@yahoo.com

"الوطن" القاهرية

  كتب بتأريخ :  الجمعة 09-02-2018     عدد القراء :  159       عدد التعليقات : 0