الانتقال الى مكتبة الفيديو

 
هنري كيسنجر و\"خادم الشعب\"

" البهذلة" التي الحقها الرئيس الأمريكي ترامب بضيفه الرئيس الأوكراني في المكتب البيضاوي كانت مستحقة. ليس لأن دونالد ترامب على حق بل لأن زلينسكي افتقد للحنكة والمناورة التي كان يمكنه بها تجاوز المأزق الذي وجد نفسه متورطاً فيه.

لعل الرجل كان يعتقد بأن الأمر مشابهٌ لما كان في ضيافة الرئيس السابق جو بايدن، ناسياً أن للرئيس ترامب "ثأراً" معه من سنين. فقد رفض زلينسكي في السابق طلب ترامب "ليفزع" له بخصوص الشكوك التي أثيرت حول مصالح نجل الرئيس هنتر جو بايدن في أوكرانيا، فضلاً عن مشاركة زلينسكي في تجمع لمؤيدي جو بايدن في انتخابات 2024 بالضد من دونالد ترامب.

كان زلينسكي "صديقاً" لجو بايدن وللحزب الديمقراطي، ويلقى تأييداً غير مشروط من الجمهوريين أيضاً، حيث تسود لدى الفريقين نزعة العداء لروسيا بغض النظر عن طبيعة الحكم وبغض النظر عن أسباب الحرب. وبالطبع لم تكن تلك الصداقة حقيقية، ففي عالم السياسة مصالح دائمة وليست صداقات كما قال هنري كيسنجر، ولكنها كانت عملية تسويق شخص لتحقيق أهداف من ضمنها إيقاف الصعود الروسي بعد عقود من التراجع والعزلة، وإحكام الخناق على موسكو من قبل حلف الناتو.

كان للرئيس بايدن أكثر من دافع في دعم زلينسكي في حماسته الحربية ضد روسيا، منها أسباب شخصية تتعلق بكونه المسؤول الأعلى عن شؤون أوكرانيا بتكليف من باراك أوباما، وأن ذلك البلد بالذات بقي غارقاً في فوضى الفساد والصراعات حتى بعد أن صار بايدن سيداً للبيت الأبيض. وثانياً لجهة انخراط نجله هنتر بأعمال تجارية مثيرة للجدل، يعتقد أن فيها استغلال لمنصب أبيه، ومنها عضوية مجلس إدارة أكبر شركة للغاز في أوكرانيا. بالمقابل يعتقد ترامب ومحاميه الشخصي الشهير رودي جولياني، الى أن هنتر بايدن تورّط بأعمال غير مشروعة في أوكرانيا (وفي الصين أيضاً حيث كان يطير مع والده في الطائرة الحكومية الخاصة بنائب الرئيس والشكوك بتسهيل صفقات البزنس كما أشيع). ومعلوم أن هنتر بايدن حكم بالسجن على تهم أخرى وأن أباه الرئيس أصدر عفواً خاصاً عنه قبل مغادرة كرسي الرئاسة بأيام.

معلوم أيضاً بأن السلطات الأوكرانية قامت بإدانة عددٍ من المواطنين بتهمة الخيانة، بسبب مواقفهم المؤيدة كما يبدو لصحة الاتهامات التي أثارها فريق ترامب ضد هنتر بايدن. ولم تخلُ التهم ضد أولئك المواطنين من الإشارة الى دورٍ ما لديهم مع روسيا، في ضوء تصاعد النزعة القومية ضدها، وإصدار قانون يمنع الاستخدام الرسمي للغة الروسية واسعة الاستخدام في أوكرانيا، ومحاصرة الأقاليم الناطقة بها.

ودون الخوض بالأحداث السابقة، وخاصة انقلاب 2014 ضد الحكومة الأوكرانية الصديقة لروسيا حينها، فتحت مغامرة الرئيس بوتين الحربية في أوكرانيا في 2022، أبواب الكونغرس والخزانة الأمريكية للرئيس زلينسكي. وبالتبعية فعلت نظيراتها الأوربية الغربية، التي كان إحساسها بالخطر أقرب جغرافياً، فاعتبرت زلينسكي بمثابة تشرشل القرن الحادي والعشرين، و"حارس البوابة الشرقية"، كما حصل لدينا حين انتدب صاحبُنا نفسَهُ ليكون حارس البوابة الشرقية على جثث وموارد العراق.

لم يتذكر الرئيس الأوكراني مقولة هنري كيسنجر الشهيرة التي لخص فيها "فلسفة" أمريكا في إدارة الصراعات أثناء الحرب الباردة، والتي أشار فيها إلى أن صداقة أمريكا مميتة في حين أن عداءها خطر. فهو ومنذ اعتلائه كرسي الرئاسة، وجد نفسه رئيساً محتفى به في الحاضنة الغربية، مدلّلاً ومسنوداً في كل مواقفه، التي ابتعد بها عن روسيا، على عكس وعوده الانتخابية، وتعهده بالبقاء رئيساً لدورة واحدة فقط، ثم قمعه لمعارضيه، وانفراده بالسلطة. وهو قد انزلق الى تصديق بطولته المسوّقة أمريكياً وأوربياً، وارتدى بدلة استعراضية يوحي بها بأنه شخص ثوري، على النقيض من بدلاته الأنثوية التي كان يرتديها قبل الرئاسة كراقصٍ في المسارح ومراكز الترفيه.

عندما كان زلينسكي يحترف التمثيل، أنتج مسلسلاً بعنوان "خادم الشعب" وظهر فيه هو شخصياً بدور رئيس أوكرانيا. استمر عرض المسلسل لعدة سنوات ونال استحسان الجمهور الأوكراني. وإثر نجاح ذلك العمل الفني استعار اسم المسلسل "خادم الشعب" وأعلن عن تأسيس حزب بنفس الاسم وخاض انتخابات 2019 وفاز بها!

استنسخ زلينسكي بذلك تجربة الممثل الكوميدي الإيطالي "جوزيبي غريللو" الذي أسس حركة "خمس نجوم" الشعبوية، ونجح في تحويلها من موقع افتراضي للنقاش والتهكم على الطبقة السياسية، الى حركة جماهيرية مناهضة للنظام السياسي التقليدي، الذي فشل في منع الانهيار الاقتصادي والمالي الذي حصل في 2008. اتجه الناخبون إثر ذلك في العديد من دول أوربا مثل فرنسا واليونان وغيرها الى مناهضة الأحزاب التقليدية الحاكمة وتأسست أحزاب جديدة على أساس رفض الطبقة السياسية الحاكمة. وسرعان ما اكتسحت حركة "خمس نجوم" الساحة السياسية الإيطالية وفازت وبمفاجئة لافتة ببلدية روما في انتخابات 2016، ثم في الانتخابات البرلمانية في عام 2018.

عندما انتهت الحرب الباردة وألحقت هزيمة ماحقة بالقطب السوفيتي، وأضحى العالم أحادي القطب، لم يستقم الأمر لصالح السلام والتعايش والرفاهية. بل ان العالم اليوم أكثر خطراً من ذي قبل. وحتى الحرب في دولة فقيرة مثل أفغانستان واحتلالها لمدة عشرين سنة انتهت بهزيمة مدويّة للقطب الأوحد وبخراب غير مسبوق، فضلاً عن خلق بؤر للتطرف والكراهية، ولن يختلف الأمر بالحاق هزيمة منكرة بروسيا على الأرض الأوربية، بل سيزداد سوءاً. فلماذا هذه الرغبة القاتلة بإطالة حرب أوكرانيا لدى أوربا على وجه التحديد؟

تخيّل معي أن رئيسة وزراء الدنمارك صرّحت بأن السلام في أوكرانيا أخطر على أوربا من استمرار الحرب. وتذكّر أن غرينلاند التي ينوي ترامب الحقاها بأمريكا هي خاضعة لسيادة الدنمارك!!

حتى الرئيس الليتواني، الذي تقع بلاده الصغيرة على مرمى حجر من روسيا وبنفوس أقل من 3 مليون نسمة ومساحة 65 الف كيلو متر مربع فقط، "تطوّع" لمناطحة الدب الروسي دون أي حسابات عقلانية لمصلحة بلده وشعبه في الترويج لهزيمة روسيا!

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي سيغادر الإليزيه قريباً، يهدد بتوسيع الردع النووي الفرنسي في أوربا، في محاولة لمقايضة هزائمه المتوالية في آخر مستعمراته الأفريقية، ويدعم فكرة الحرب المستمرة على روسيا حتى آخر جندي أوكراني، لأنه يعتبر أوكرانياً "سدّاً" يحمي أوربا.

أليس من الأجدر على القارة الأوربية العظيمة، المسؤولة عن إشعال نيران حربين عالميتين مدمرتين أن تشعر بالذنب عن الحروب وتتجنبها؟

أما "خادم الشعب" الرئيس زلينسكي فقد اتكأ مسترخياً على فكرة أن التحالف مع قوة عظمى سيحفظ أمن بلاده تلقائياً، غافلاً عن حقيقة أنه يقاتل دولة عظمى أخرى ويحلم بهزيمتها، وهذه معادلة وقودها الناس والمعادن النادرة لبلاده!

على زلينسكي أن يرتدي بدلة رسمية يستبدل بها قميصه "الثوري" ويعود الى أحضان السيد ترامب، ليحفظ ماء الوجه ويغادر مسرح السياسة الى مسارح الكوميديا. فالعالم، ومنه أوكرانيا، أكثر أمناً بوجود أقطاب أخرى للقوة.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 17-03-2025     عدد القراء :  396       عدد التعليقات : 0