يا حاملاً وجعَ العراق*
رحيلُك أفزعَنا يا خيّون
ذرَّ رمادَ النّفي في زادِنا
أفسدَ بهجتَنا فيك وأنتَ تكحِّلُ أهدابَ الحرفِ
وتُهدينا ضوعَ الكلمات
كأنك تنذرُناّ
ألّا نُشْغلَ بالعيشِ فنسى أنيابَ الدّهر
يا أيها الشهمُ العنيد
يا صابراً صبرَ البراعمِ في الجليد
يا من نذرتَ العمرَ، أنهكتَ الضلوع
يا زاهداً حدَّ الترهّبِ، واهباً جودَ الشموع
يا باسماً للريحِ كيفَ يدقُّ هذا اللصُّ بابك؟
من بعدما أعيا شبابك
واغتالَ نجلك واحتمالك
وجنى على الأحلامِ فيما ظلَّ من زهوِ اكتمالك
كيفَ يهونُ فراقُك يا خيون
دونَ سلامٍ ووداع؟
من يسئلُ عنّا بعدك َفي الأفراح وفي الأتراح؟
ينفضُّ عنّا عِفرَ المنفى وهمومَ الإقِصاء؟
وأنتَ لنا وطنٌ
أغنيتنا بالعطفِ والتحنانِ والحبِّ النديِّ
وحينَ نراكَ، نبصرُ في سحنتِك السمراء
بغدادَ وذي قارَ وميسان
نسافرُ في أصقاع الذكرى
نسهرُ تحت فيافي الأشجان
يا صاحبي أُطلعكَ عمّا حلَّ فينا
مازالَ يُدمينا
سوطُ ُ المزورِ والمعممِ والزنيم
فمن يجادل؟
نغفو على لحنِ الدناءةِ والسفالةِ والرذائل
بين التعنّتِ والتخاذل
ما بين سكينِ الخؤونِ وبطشِ أحفادِ المناضل
يغتالنا ترويعُ” خمبابا“ وحيفُ الظالمين
من بددوا خبزَ اليتامى الجائعين
واستهتروا بشذا البراءةِ والطفولةْ
بخلائقِ الأعرافِ، المُثْلِ النبيلةْ
وتبولوا فوق البراعم والفسائل
ونحن ُما زلنا نحاول
صونَ العهودِ وحِفظِ أعراضِ السنابل
من بعدما ساخت مراكبُنا وخان بنا الشراع*
خابت أمانينا ويتَّمنا العراق
أترى سنخنعُ قانعين؟
نتجرعُ الأحقادَ والكرهَ الدفين
نكبو وتمحقُنا الحتوفُ
في موطنٍ تُبرى لإخوتنا به
هذي القنابلُ والسيوفُ**
يا صاحبي مرْت ليالي الصيفِ دونَ غمامةٍ
رحلت ترانيمُ الربيع
الوردُ ودَّعَ ضوعَهُ وتناثرت بتلاتُه فوق التُراب
القيقبُ انتحرت براعمهُ وفضّلتِ اليباب
ودروبُ ديرتنا الذليلةْ
في غيّها، شوهاءَ، شاردةٌ
معفّرةٌ، مكسّرةٌ، بخيلةْ
قدِمَ الصقيعُ
ليحدّب الأغصانَ والأفراحَ
يسجننا ويُطوينا لحافُ البردِ و النفيُّ الشنيعُ
خيون لا، لا تبتئس
سنطمئنُ الأصحابَ أنَّكَ راجعٌ من رحلةٍ
لنراكَ بعد هُنيهةٍ
والآن نُخبرُكَ اليقين
أنّا على أمالنا ووعودِنا ووفائنا
سنظلُ رغمَ الحيفِ والأحقادِ والغدرِ المشين
نجباءَ، أحراراً، شِهاماً، صابرين
نرنو إلى الوطن البعيد
ونسيرُ بين الحالمين
فإذا يخالفنا الرّدى
وسقطنا صرعى مجبرين
شكرا لهذا الحتفِ علّمنا
حبَّ الرجالِ الطيبين
٢:٣٥ الجمعة ١٥-١١-٢٠٢٤ روجستر هلز، ميشيغن
*أنشدت القصيدة في احتفالية تأبين الصديق الوفي خيون التميمي
التي أقامها الإتحاد الديمقراطي العراقي ومنتدى الرافدين للثقافة والفنون في ميشيغن
**
إشارة لإخوتنا الفلسطينيين الأبرياء
ماذا تتمنّى؟* سألتني في العام الجديد
لا تســـألي عـــن أُمنياتي الشّمسُ غـابتْ عن حَــيأتي
أغـــلى أحبَّتي غَــادروا ونســيتُ أحـــــلى ذكـريـاتــي
ما عـــادَ يـُطـربــني الغِنــــاءُ غَـــدتْ نَحـيبـاً أُغـنيــاتـــي
الثّلـجُ صـارَ يُـخــيفــُني والــعـمــرُ يزحــفُ للسـّـــباتِ
مَســــعورةٌ دنــــــيايَ ســــاديـــةٌ وجـائـــرةٌ وشـــــاتـــي
فلـِمـن يــضـوعُ الــــوردُ مـغـتــرّاً، وتـشــــدو قــبّـراتـي؟
ولِـمَ الـــتّعـلّـــلُ بــالخــلودِ عـلى رفـــوفِ المكـتــبــاتِ؟**
ولـــِمَ الــتــّـذمّـرُ والحــياةُ رهـيـنـــةٌ بــيــدِ الــطـّغــاةِ؟
ولــِمَ الــتّضــرّعُ والـدّعــاءُ اللهُ لــم يـقـبــلْ صَـلاتــــي؟
فـإذا أتـــيـتُ مَــنــيّـتـــي وتـعــذّرتْ سُـــبلُ الـنــّجــاةِ
لا تــذرفــي دَمـعاً غزيراً أو تـــغــالي فــي صــِفـــاتــي
قــولي شــــــــدى لعراقهِ وبكى لـــدجــلةَ والفـــراتِ
قــولـي بـكــى لعــــراقــهِ لـــمْ يـنثــنِ فـي الـنّــائباتِ
* قالَ الجواهري:
وعللُّت أطفالي بشرِّ تعلّةٍ خلودُ أبيهم في بطونِ المعاجمِ
*انشدت القصيدة في احتفالية تأبين الفقيد الصديق خيون التميمي
٥-١٢- ٢٠١٦ روجستر، ميشيغن
حينَ أراكِ بسجني
لستُ جسورا كأنكيدو
ولا مغفّلا مثل كلكامشَ كي أنشدَ الخلود
جسدي الواهنُ تقهقرَ تحت جهاز الناظور
تلعثم قلمي واخرسّت كلماتي
ماذا ينطق حرفٌ مشلولٌ في زخمةِ هذا القتلِ الكافرِ والتخريب؟
أوردتي جمدت وتفطرت كالذهب المغشوش
رجعت لتوي من عصور الجحيم
تئنُ الدموع بقلبي
تتعقبني حشرجات الندم
ويشخرُ في خافقي الميتون
عالمي مظلمٌ، رجلاي متكلستان وحافيتان
جيبي فارغٌ من أيِّ طموح
في هذا الصيفِ القائظِ
أتوحمُ مثلَ الحاملِ
كوبُ الماء البارد أغلى أملٍ بهجير الرمضاء
أحلمُ في لقمةِ خبزٍ من تنور الأم المفجوعة ب "المايغرين"*
تجهضني الدنيا وأكادُ سقوطا في بوتقة اليأس
بعدئذ طيفُكِ يغتالُ جحودي
تكحلُّ جفنيَّ ترائبك العاجية
أمررُ إبهامي فوق عقيق الشفتين
أهادنُ غمّي
أشحنُ ذاكرتي وطموحي
انشد كالعندلِ في فجر الزيتون
اوقظ في نفسي بهجة أعياد الأيتام
تنزاح همومي، تزدهرُ البيداء
احلّق مثل النسر
بسماءٍ صافيةٍ خضراء
*المايغرين: صداع الشقيقة
البصرة، صيف ١٩٧٣
رحيل
دخلت العالم من ثقب نعالي
ظننت سأرفو ثوبي المهزوع
أرتقُ ما فتقتهُ سمومُ الباطلِ في رئةِ العشق
هادنتُ رفاتي وهمومي
شاركت الطيرَ سروري
وهبتُ فطوري ليمام الأحزان
رحلت أفتش عن ذرّة طيبٍ
أطفأ فيها نيرانَ الباطل ومجونَ النمّام
وجدت غصوني حالكةًً ومراياي مثلمةًً
رأيت الناسَ نياماً في كهفِ التّيه
نصفَ العالم مهوساً بجهالتهِ، مطعوناً بالإدمان
ما ظلَّ من النّبلِ ببوتقةِ الأسفار غزاه الميثان
مشيت، تهت، صحوت
نذرت خطاي لمسرى الأوهام
عدتُ أسيراً، مطعوناً، ويتيما
منفيا في بيتي، أحضنُ اشجاني
آكلُ أضفاري وأسفُّ دموعي
افرحُ كالطفل لما ظلَّ من العمر المتصدأ
أجترُّ مواويلي، أسحلُ نعلَ الخيبات
إلى مرسى الأحلام
أشكر ما قدّره الدهرُ الغاشم لي
من آهات
١١:٤٥الاثنين ٣-٤-٢٠٢٣ مدريد- اسبانيا
أعذبُ من جمرِ الياقوت
رأيتُ جمالاً
يعجزُ الشّعرُ عن وصفِه
قبّلتُ شفاهاً
أعذبَ من جمرِ الياقوت
ما لي ريبٌ بمعاني العيشِ ولُغزِ الكون
رأيتُ كمالهُ في مجهر "وَبْ*
ببهاءِ الشّمسِ، ندى الطينِ، ونبلِ الماءِ
تخجلني الأزهارُ ببهجتِها
يتعقّبُ خطوي عبّادُ الشّمسِ
حانياً مثلَ العصفورِعلى عشّه
يتحدّى شكّي
يدحضُّ أعذاري
تشدوالأطيارُ وتحتفي بحضوري
يرقصُ سعفُ النّخلِ
تشدو أغصانُ البلّوط
وفصولي تكملُ دورتَها
تَهْديني من عطرِ مُحيّاها آمالا
صبراً وَوِداداً وكمالا
٧-٦-٢٠٢١ الثلاثاء ١١:٥٦صباحا
*"
"وب" الناظور "التلسكوب" الجديد، أخرُ اختراع تكنلوجي، يرى نهاية العالم ويعرف بدأ الخليقة ويدحض التصور القديم الخاطئ عن الخلق و التكوين.
أصبر على جور الزمان وبطشه وقد طالت الحرب
كفكِفْ دموعَك لا يفيـدُ عـــويلُ وأبطِئْ ركابَك فالطّريقُ طويلُ
هوَّن عليك فما لغمِّك مـــنصتٌ ولا لشــجوك إن جزعتَ خليلُ
ما للحتوفِ وأن توانت كــبوةٌ أرأيـتَ شــرّاً يـنـثني ويـحولُ؟
فإذا رجعت من السرابِ محطَّماً تحدوكَ من عِهْنِ الخرابِ فصولُ
وبرتك أهوالٌ يــروّعُ كــــيدُها ينهشن لحمكَ والدّماءُ تسـيلُ
وصهيلُ خيلك يستحثُّ حرابَها وثغاءُ غبنِ المُعْولاتِ يـعولُ
فلــكلِّ باطلَ صــولةٌٌ وفجيعةٌ ولكــلِّ حـربٍ كربــةٌٌ وتـــزولُ
يا ابن المنايا ما صبوتَ لفرحةٍ إلّا ونغَّصها الردى المسلولُ
نَكَدت بك الدّنيا وجارَ وشاتُــها واســتخلياك مُــهجَّنٌ ودخيلُ
وما نجوت من الطغاةِ وشرِّهم إلاّ شَـــجتكَ مصيبةٌ ونـحـولُ
ويهدُّ جأشـــك غاشــمٌ ومزورٌ وتُضيمُك الدنيا وأنتَ أصيلُ
يا باســماً والدّمعُ مـــلءُ جفونه أتتيهُ في المنفى وأنتَ دليلُ؟
ونداك أزهارُ الجنانِ وضوعُها وسناك رغمَ الحالكاتِ جميلُ؟
تمضي العقودُ وما تزالُ مكافحاً تشــدو كعبّاد الضّيا وتـميلُ
يزهو ضميرُك صابيا متسامحا فتعللُّ الجرحى وأنت عــليلُ
وينامُ قلبك حـــالماً، مـــتفـــائلاً حزن الجوى ما كان منه بديل
فاصبر على جورِ الزمانِ وبطشهِ لا بدَّ يــوما للطريقِ وصــولُ
قحطان مندوي
روجستر هلز، ميشيغن